ابن قيم الجوزية
59
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
أيضا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه » وهذا صريح في أن درج الجنة تزيد على مائة درجة ، وأما حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة فوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنها الجنة » فأما أن تكون هذه المائة من جملة الدرج وإما أن تكون نهايتها هذه المائة وفي ضمن كل درجة درجة دونها ، ويدل على المعنى الأول حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « من صلى هؤلاء الصلوات الخمس وصام شهر رمضان كان حقا على اللّه أن يغفر له هاجر أو قعد حيث ولدته أمه ، قلت يا رسول اللّه ألا أخرج فأوذن الناس ؟ قال لا ؛ ذر الناس يعملون وإن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين منها مثل ما بين السماء والأرض ، وأعلى درجة منها الفردوس وعليها يكون العرش وهي أوسط شيء في الجنة ومنها تفجر أنهار الجنة ، وإذا سألتم اللّه فسلوه الفردوس » رواه الترمذي هكذا بلفظه وروى أيضا من حديث عطاء عن عبادة بن الصامت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن في الجنة مائة درجة » ثم ذكر نحو حديث معاذ وفيه أيضا من حديث عطاء عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام » قال هذا حديث حسن غريب . وفيه أيضا من حديث أبي سعيد يرفعه « إن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لو سعتهم » ورواه أحمد بدون لفظة في كما تقدم وقد رويت هذه الأحاديث بلفظة في وبدونها وإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجها ، وإن كان المحفوظ سقوطها فهي الدرج الكبار المتضمنة للدرج الصغار واللّه أعلم . ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديره بالخمسمائة لاختلاف السير في السرعة والبطء والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر هذا تقريبا للإفهام ويدل عليه حديث زيد بن حبان حدثنا عبد الرحمن بن شريح حدثني أبو هانئ التجيبي سمعت أبا علي التجيبي سمعت أبا سعيد الخدري يقول سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « مائة درجة في الجنة ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض ، أو بعد ما بين السماء والأرض ، قلت يا رسول اللّه لمن ؟ قال للمجاهدين في سبيل اللّه » .